حبيب الله الهاشمي الخوئي
5
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
السّباق ، وأمّا نصبه فعلى كونه اسم انّ وغدا خبرها ، وهو واضح . المعنى اعلم أنّ المستفاد من شرح البحراني أنّ هذه الخطبة من فقرات خطبة طويلة خطب بها يوم الفطر وسيجئ أوّلها في الكتاب ، وهي الخطبة الرّابعة والأربعون المصدّرة بقوله : الحمد للَّه غير مقنوط من رحمته ، ونذكر تمامها هناك إنشاء اللَّه برواية الصّدوق فانتظر . وإنّما قدّمها الرّضيّ عليها مع كونها بعدها ، لما سبق من اعتذاره في خطبة الكتاب من أنّه لا يراعى التّتالي والنّسق وانّما يراعى النّكت واللمع ، وكيف كان فمدار ما ذكره هنا على التّزهيد في الدّنيا والتّرغيب في الآخرة فأشار أوّلا إلى عدم جواز الرّكون والاعتماد على الدّنيا بقوله : ( أمّا بعد فانّ الدّنيا قد أدبرت وآذنت بوداع ) وأشار بادبارها إلى تقضّى أحوالها الحاضرة وشهواتها الموجودة لكلّ أحد أحد شيئا فشيئا كما قال عليه الصّلاة والسّلام في الدّيوان المنسوب إليه : رأيت الدّهر مختلفا يدور فلا حزن يدوم ولا سرور وقد بنت الملوك به قصورا فما بقي الملوك ولا القصور وإنّما اطلق اسم الادبار على هذا التقضّي باعتبار أنّ اللذات الدّنيويّة لما كانت دائما في التّغيّر والتقضّي المقتضى لمفارقة الانسان لها وبعدها عنه ، لاجرم حسن اطلاق اسم الادبار عليه تشبيها لها بالحيوان المدبر ، ولما كانت مفارقة الانسان عنها مستلزمة لأسفه عليها ووجده بها ، أشبه ذلك ما يفعله الانسان في حقّ محبوبه المرتحل عنه في وداعه له من الحزن والكآبة ، فاستعير اسم الوداع له وكنى باعلامها بذلك عن الشّعور الحاصل بمفارقتها من تقضّيها شيئا فشيئا وهو اعلام بلسان الحال . ثمّ نبّه على وجوب الاستعداد للآخرة بدنوّها من الانسان بقوله : ( وانّ الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلاع ) ومثله قال لقمان لابنه وهو يعظه : يا بنىّ إنك منذ سقطت إلى الدّنيا استدبرتها واستقبلت الآخرة ، فدار أنت إليها تسير أقرب إليك